لن يضيع حق وراءه مُطالب


وفي العبادات زاد.. الحج للأستاذ/ مصطفى مشهور

كتبهاعوكل. كتكوت ، في 27 نوفمبر 2008 الساعة: 15:01 م

 
رحلة الحج ليست كغيرها من الرحلات؛ إنها ليست رحلة بالأجساد إلى مكة؛ حيث الكعبة وجبل عرفات.. إنها رحلة ربانية، رحلة نورانية، رحلة قلوب وأرواح تسعى إلى الله خالقها، فتتصل بأصلها، وتستمد القوة والحياة والسعادة، وتتزود بالتقوى خير زاد.

إن هذا البيت الحرام ليس كغيره من البيوت، وإن كان من حجارة متشابهة.. إنه بيت الله الحرام، وهذا الجبل ليس كغيره من الجبال، وإن كان من نفس مكونات الجبال.. لقد خصهما الله بأسرار وفيوضات، وتأثير وتجليات، كما خصَّ سبحانه القرآن كلامه العظيم بأسرار وإعجاز وتأثير، وإن كان من ألفاظ وحروف مثل التي نتكلم بها.. وهذا فضل منه ورحمة بنا وتيسير، فإننا لا نقوى على تحمل كلام الله على حقيقته مباشرة: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (الحشر: من الآية 21).. كما أننا لا نستطيع تحمل تجلي الله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: من الآية 143)، فيسر الله لنا زيارته والقرب منه ومناجاته، والنيل من فيوضاته بزيارة بيته الحرام، الذي تجلى عليه وخصه بفيوضات وأنوار تنعكس علينا بالقدر الذي نتحمله.
وعلى قدر تهيؤ القلوب التي تخشى ربها، على قدر استقبالها لهذه الأنوار والفيوضات الربانية، كما هي الحال مع كتاب الله– عز وجل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: 23).
فيا أخي، عش رحلة الحج من خلال هذه النظرة الربانية كرحلة حياة للقلوب والأرواح، لا من خلال النظرة الجسدية الحسية؛ فينشغل القلب بالله والقرب منه، والتزود من فضله وإحسانه ورحمته، فيتحقق لك الحج المبرور، والزاد الموفور، والذنب المغفور، وتعود طاهرًا نقيًّا كيوم ولدتك أمك.
* وبهذه النظرية تعرف سر تلك المشاعر والأحاسيس الغامرة، التي هي مزيج من الخشية والمهابة، والفرح والسعادة، عند وقوع بصرك على الكعبة المشرفة لأول مرة.
* والطواف بالكعبة- وهو تحية هذا المسجد- يبدأ باستلام الحجر الأسود وتقبيله إذا تيسر لك ذلك، متمثلاً عليه الصلاة والسلام في هذا الاستلام، وهذا التقبيل، مصطحبًا نية العهد مع الله على التزام صراطه المستقيم، والقيام بواجبات الإسلام من جهاد وتضحية ونصرة لدينه في عزم صادق على الوفاء بالعهد وإتمام البيعة، واستشعاره خطورة النكث في العهد، وما يترتب عليه من غضب الله وعذابه.. وفي إتمام هذا العهد بهذه الصورة زاد وأي زاد على طريق الدعوة.
* الطواف حول البيت صلاة في صورة خطوات، ودورات ودعوات، فأدِّه كأدئك للصلاة في خشوع وحضور قلب، وأدب ورفق بإخوانك أثناء الطواف، واستشعر اطلاع الله عليك وأنت تؤدي هذه العادة حول بيته الحرام، واعلم أن قلبك هو موضع نظر الله إليه، فأخله من كل شيء إلا الله وحب الله، والإخلاص لله، حينئذ تسمو الروح وكأنها هي التي تطوف حول البيت وليست الأقدام، ولتكثر من ذكر الله والدعاء لك ولإخوانك ولدعوتك.
* وعند الملتزم بعد الطواف استشعر- بالتصاقك بالبيت- الرغبة الشديدة في القرب من الله، وبتعلقك بأستار الكعبة، استشعر الفقر والحاجة إلى الله وإلى مغفرته ورضوانه، وبوقوفك على أعتاب الكعبة استشعر وقوف العبد الفقير على باب الغني الكريم، وليطلع الله منك على صدق الإقبال عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء فيه، والندم والتوبة النصوح، والشعور أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، مع الشعور بالحب والخضوع ولذة القرب والطاعة، وفي هذا المزيج من المشاعر الطيبة السامية، أكثر الدعاء، واسكب العبرات، وجدد العزم والعهد مع الله، وكأنك لا تريد أن تترك أعتاب بابه إلا لتتيح الفرصة لغيرك من ضيوف الرحمن.
* وعند مقام إبراهيم تصلي ركعتين، وتتذكر الصلة الروحية الممتدة عبر الأجيال بيننا وبين سيدنا إبراهيم- عليه السلام- واستجابة الله لدعواته بأن بعث فينا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين.
* وماء زمزم ليس كغيره من الماء، فقد خصه الله كذلك بخير كثير، ولنذكر عند شربنا منه السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل، وكم قاسا من العطش قبل ظهور زمزم، فلنروض أنفسنا على تحمل المشاق في سبيل الله، وفي ميادين الجهاد.
* والسعي بين الصفا والمروة أيضًا من شعائر الحج والعمرة، فهو عبادة وليس مجرد سير هذه الأشواط، وإذا صاحبها شعور بالتعب والمشقة فلنذكر السيدة هاجر وسعيها بين الصفا والمروة؛ بحثًا عن الماء لوليدها الذي أشرف على الهلاك؛ فما أجدرنا أن نتحمل مشاق السفر والجهاد في سبيل الله تعبدًا وتقربًا إلى الله، زكاةً لصحتنا، وشغلاً لأبداننا بطاعة الله.
* في أيام إقامتك بمكة وفي رحاب البيت الحرام، ما أروع وأجمل أن تنتهز الفرصة، وتؤدي جميع الصلوات، والكعبة المشرفة أمام ناظريك.. وفي هدوء الليل تنتحي جانبًا في رحاب الكعبة، وتتهجد لله وتناجيه، وتخبت له وتخشع، وتطرق باب الكريم بركعات وسجدات ودعوات ودمعات من خشيته، وفي هذا الجو الرباني لا ننسى أن نسأل الله أن يعز جنده، وينصر دينه، ويهزم أعداء الإسلام في كل مكان.
* وفي مكة حين تسير في شعابها وبين أرجائها، وتزور غار حراء وغار ثور، عش ذكريات أيام الدعوة الأولى، وما تعرض له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمون الأول، من إعنات وتعذيب وإيذاء بسبب عقيدة التوحيد، وتذكر صبرهم وثباتهم وإصرارهم على تبليغ الدعوة، وتذكر دار الأرقم بن أبي الأرقم، التي ربى فيها رسولنا الكريم هؤلاء الأبطال الذين اندكت على أيديهم كل الضلالات وحصونها من عبدة الأصنام وعبدة النار، والروم واليهود، واستشعر أنك تسير على أرض سار عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
* إن في اجتماع الحجاج من كل أقطار العالم فرصة سانحة لتقوية الروابط بين المسلمين وتعارفهم، وتعرفهم على أحول بعضهم البعض، وتبادل المشاعر والآمال والآلام، ليكونا حقًّا كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضًا، وليتدارسوا أهم القضايا التي يعيشها العالم الإسلامي والاقتصاديات الإسلامية، وكبد الأعداء وكل ما يهم المسلمين، وحبذوا لو تبادلوا المراسلات بعد الحج لتدوم الصلة وتعرف الأحوال، وليتمثل الحجاج شعار وحدة الأمة الإسلامية: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:52).
* وعلى عرفات الله هذا الجبل الذي خصه الله، دون الجبال بهذا الخير، وهذا الفضل وهذه الفيوضات والرحمات تتنزل على ضيوف الرحمن، وقد اجتمعوا جميعًا فوق هذا الجبل، في زي الإحرام المبسط يجئرون إلى الله بالدعاء بصورة تذكرهم بيوم الحشر.. إنه مشهد عظيم ويوم عظيم، وقد روى مسلم وغيره عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من يوم أكثر من يوم عرفة، وأنه ليدنو- عز وجل- ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟”.
* ومن الخير الذي أفاضه الله على هذا اليوم أن جعل صيامه لغير الحجاج يكفر سنة قبله وسنة بعده، فعن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم عرفة، قال: “يكفر السنة الماضية، والباقية” (أخرجه مسلم).

* وعند الإفاضة من عرفات تجيش المشاعر عند وداع هذا الجبل الحبيب، وهذا اليوم المبارك، وهذا الموقف العظيم، وتتعلق القلوب برجاء القبول.
* وفي رمي الجمار معنى الانقياد للأمر وتحقيق العبودية بالامتثال، وإن لم يكن للعقل حظ في هذا الفعل، ولنتذكر تعرض الشيطان لسيدنا إبراهيم- عليه السلام- ليثنيه عن طاعة أمر الله، وعدم استجابة الخليل لهذه الوسوسة… فما أجدرك- أيها الحاج- أن تتجسم أمامك خطورة نزغات الشيطان ووسوسته، وضرورة مقاومته، وأنت ترمي الجمرات؛ دحرًا لهذا الشيطان الرجيم.
* وفي ذبح الهدي وتوزيعه على المحتاجين من المسلمين قربة لله ومرضاة له، ورجاء في أن يعتقه الله من النار، وفي ذلك أيضًا تحقيق معنى العطف على الفقراء، وإطعامهم من أفضل الهدي… ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36).
* وفي طواف الوداع الإحساس بفراق أعز الأماكن وأحبها إلى قلبك، وكذلك رجاء في قبول الله هذا الحج، ورجاء في العودة فيما يقبل من عمر.
* وفي الرحلة إلى المدينة تذكَّر هجرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمسافات التي قطعها وهو يطارد، واستقبال أهل المدينة، وبَدْأَه ببناء المسجد، وعش هذه الذكريات العطرة، وما تم فيها من إنجازات كبيرة على يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته والغزوات والفتوحات، وتطهير الجزيرة من الشرك والأصنام، ومن اليهود بعد حنثهم العهود، كما هي عادتهم التي قررها القرآن.
* وفي مسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- تذكر حدث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي رواه البخاري: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي”، فعش هذه السعادة الروحية بينك وبين الرسول الحبيب، وأنه حريص علينا، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه إعناتنا، سلِّم عليه، وصلِّ عليه، وادعُ الله أن يجازيه عنا خير ما جازى نبيًّا عن أمته، وكذلك الخليفة الأول أبي بكر- رضي الله عنه- وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وادعُ الله أن يحشرنا مع هؤلاء النفر الكرام.
* وزُر المشاهد في المدينة، وتذكر الأحداث التي جرت عليها، والتي غيرت وجه التاريخ، وزر البقيع الذي يطوي أبطالاً أطهارًا، وزر أحدًا، هذا الجبل الذي دارت عنده غزوة أحد، وتذكر ما فيا من عبر ودروس.
وهكذا.. عِشْ تلك الفترة من السيرة العطرة بذكرياتها الطيبة، التي تمنحك الزاد والعظة والعبرة، التي أنت في أشد الحاجة إليها، وأنت تسير على طريق الدعوة.
———-
*مجلة (الدعوة)، العدد (42)، (غرة ذي الحجة 1399هـ= نوفمبر 1979م).
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



الله اكبر ولله الحمد ... وسيبقي الإسلام هو الحل